عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

32

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الإنسان الكامل الناطق ، ثم للحواس الخمس ارتقاء إلى الحس المشترك ليجمعها ويؤلفها في ذاته ، ولولا هو لتفرقت علوم الحواس ولم يكن لها ما يؤلفها ولا ما يحفظها بعد أن تزول آثارها ، فنقول : إن النفس لما تحركت الحركة المنسوبة إلى أسفل لم يكن ممكنا للجسم المركب على جفائه وغلظه أن يتصل بالنفس على لطفها وبعدها من الجوهر الحسي إلا بوسائط يلطف فيها الحس أولا فأول ، حتى ينتهي إلى غاية ما يمكنها أن تنتهي إليه ، فحينئذ يمكن أن يقع بينهما الاتصال الذي يصير أحدهما قابلا أثرا من الآخر ، ومثال ذلك أن المعدة إذا لطفت الغذاء بالهضم وحصل منه في القلب دم رقيق ألطف ما أمكن من الغذاء ، عادت الحرارة التي في القلب عليه فزادته تلطيفا وأجرته في العروق الجوفية التي تسمى شريانات ، وهو ألطف ما يكون من الدم ، وحصل منه في العرق الأجوف الذي يرتقي إلى الدماغ فيجري فيه جريان الماء في الأنابيب ، أعني أنه يبقى فيه فضاء ما . فلا يختنق فيه بأن يملأه وذلك الدم الحار قريب العهد بالقلب فيرتفع منه بخار لطيف يحصل في فضاء العرق الأجوف الخالي من الدم ، كلما ارتفع لطف هذا البخار حتى يحصل في الدماغ فيشعب إلى عروق دقاق كثيرة شبيهة بالشعر في الدقة ، ويتفرق في الدماغ فيعدل برده بحره ، ويعتدل هو أيضا ببرد ذلك ويصير منه ما يسمى روحا حيوانيا ، وبحسب صفاء هذا الروح وتهذبه ، فحالاته تكون صدور قوى الروح الإنساني عنه واستعداده لقبول آثاره من الحس والفهم ، وتنشىء الطبيعة حينئذ من الدماغ أعصابا يكون بها الحس والحركة الإرادية في جميع البدن وبها يتميز الحيوان من النبات ، فمنها العصبة الجوفاء التي تنقسم إلى ثقبي العينين وينفذ فيها ذلك الروح ، وقد تهذب غاية تهذبه وتلطف جدا فيكون به البصر ، ومنها التي تأتي الأذن فيكون بها السمع وكذلك الباقيات ، فإذا حصل في كل واحد من الحواس أثر من المحسوس تأدى منه إلى الحس المشترك ، وهو قوة من قوى النفس في أفق هذا الجوهر اللطيف من الجسم يقبل هذه الآثار كلها ، وكما أن كل حس من الحواس الخمس يختص بنوع من المحسوس فيقبل آثاره ثم يميز بين أشخاصه ، فكذلك الحس الجامع المشترك يقبل الآثار من الحواس كلها ، ثم يميز بينها ، إلا أن الفرق بينهما : أن الحواس الخمس إنما تقبل الصور من المحسوسات بالدفعات وتتأثر منها والحس المشترك إنما يقبل الصور من الحواس في دفعة واحدة من غير أن يتأثر منها بما يحصل فيه من تلك الصور لأنه في نفسه صورة . والصورة لا تقبل الصورة على طريق التأثر بل على طريق آخر وبنحو أعلى وأشرف ، ولذلك لم يدرك الجميع بلا زمان ولا تجزئة ولا انقسام ، ولا تختلط الصور هناك ولا تتزاحم